ابن عربي

171

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

صوتا ، ولم تكنس لها بيتا ، طعامها بائت ، وإناؤها وضر ، وعجينها وماؤها فاتر ، وما عونها ممنوع ، وخادمها مضروب . ومنهن العطوف الودود ، المباركة الولود ، المأمونة على غيبتها ، المحبوبة في جيرانها ، الحافظة لسرها وعلنها ، الكريمة التبعّل ، الكثيرة التفضّل ، الخافضة صوتا ، النظيفة بيتا ، خادمها مسمّن ، وابنها مزين ، وخيرها دائم ، وزوجها ناعم ، مصونة الوفة ، بالخير والعفاف موصوفة . جعلك اللّه يا بني ممن يقتدي بالخير ، ويأتمّ بالتّقى ، ويتجنب السخط ، ويحب الرضى ، واللّه خليفتي عليك ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ومن الشمائل الأريحية ما ذكره الأصمعي ، قال : دخل إسحاق النديم على أمير المؤمنين الرشيد فقال : ما بالك ؟ فقال إسحاق : سوامي سوام الأكثرين تجملا * ومالي كما قد تعلمين قليل وآمرة بالبخل قلت لها اقصري * فذلك شيء ما إليه سبيل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى * ورأي أمير المؤمنين جميل أرى الناس خلّان الجواد ولا أرى * بخيلا له في العالمين خليل فقال الرشيد : هذا واللّه الشعر الذي صحّت معانيه ، وقويت أركانه ومبانيه ، ولذّ على أفواه القائلين ، وسماع السامعين . يا غلام ، احمل إليه خمسين ألف درهم . قال إسحاق : يا أمير المؤمنين ، كيف أقبل صلتك وقد مدحت شعري بأكثر ما مدحتك به ؟ قال الأصمعي : فعلمت أنه أصيد للدراهم مني . ومن هذا الباب ما حكاه الأصمعي قال : دخل المأمون ذات يوم الديوان ، فنظر إلى غلام جميل على أذنه قلم ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا الناشئ في دولتك ، المتقلب في نعمتك ، المؤمّل لخدمتك ، الحسن بن رجاء ، فقال المأمون : بالإحسان بالبديهة تتفاضل العقول ، يرفع من الديوان إلى مرتبة الخاصة ، ويعطى مائة ألف درهم تقوية له . ومن صفات العارفين ما ذكره إبراهيم بن أدهم قال : من علامات العارف أن يكون أكثر صمته التفكير والعبرة ، وأكثر كلامه الثناء والمدحة ، وأكثر علمه الطاعة والخدمة ، وأكثر نظره إلى الطائف صنع رب العزة . وسئل بعض المحققين من أهل اللّه : ما علامة العازف والعابد والمحب والخائف ؟ فقال : الخائف ذو هرب ، والعابد ذو نصب ، والمحب ذو شغف ، والعازف ذو طرب . وقال بعضهم : سمعت بعض المنقطعين وهو يتأوه ويقول : آه على أعمار في